الشيخ محمد عزت الكرباسي / الشيخ مازن طالب القرشي

40

موسوعة النجف الأشرف العلمية علم الأديان

ولهذا الأمر تفصيل له موضع آخر . وكانت دعوته سراً ثم أمره الله تعالى بالجهر بقوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . فقام بهذه الدعوة العظمى ، مجاهراً بها ، منادياً بنبذ أوثانهم ، وترك ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم . برهان ظريف على النبوّة قام بها وحده ، لا قوة له ، ولا حول ، ولا أجناد ، ولا أتباع . ولم يكن في آبائهم ذو سلطان ، فيطالب بسلطانه ، ويروم استرجاع ما سلب من ملكه . ما هذا الذي رفع نفس ذلك الأمي اليتيم ؟ وما الذي سما بهمّته حتى نهض للإرشاد الأمم ، وأحيا الملل ؟ ما هو إلا الوحي الإلهي ، والعناية الربانية ، والمحنة القدسية ، ودعوة الحق التي لا يخشى من جاهر بها وصابر عليها . وان ذلك الثبات في المقام الزلزال ، والنهوض بأعباء تلك الأثقال ، وتلك القوة في ذلك الضعف ، وذاك السلطان مع ذلك العجز ، لأقوى البراهين على النبوة وصدق الدعوة ، وإلَّا فما هذا العلم في تلك الأمية ، والعرفان في غمرات الجاهلية . إن الحق لأوضح من ذلك . وليس يصح في الأفهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليلِ ولكن : ومن يك ذا فم مرّ [ مريض ] * يجد مراً به العذب الزلالا وقد بان من هذا : انه قد ظهر من محمد قبل بلوغه الأربعين ، ودعواه تكليم الملاك له أمور كثيرة يعلم الناس منها أهليته للنبوة والرسالة .

--> ( 1 ) سورة الحجر : 94 .